الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
84
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ويقال : امرأة محصنة - بكسر الصاد - أحصنت نفسها عن غير زوجها ، ولم يقرأ قوله : وَالْمُحْصَناتُ في هذه الآية إلّا بالفتح . ويقال أحصن الرجل فهو محصن - بكسر الصاد - لا غير ، ولا يقال محصن : ولذلك لم يقرأ أحد : محصنين غير مسافحين - بفتح الصاد - ، وقرئ قوله : ومحصنات - بالفتح والكسر - وقوله : فَإِذا أُحْصِنَّ [ النساء : 25 ] - بضم الهمزة وكسر الصاد ، وبفتح الهمزة وفتح الصاد - . والمراد هنا المعنى الأول ، أي وحرّمت عليكم ذوات الأزواج ما دمن في عصمة أزواجهنّ ، فالمقصود تحريم اشتراك رجلين فأكثر في عصمة امرأة ، وذلك إبطال لنوع من النكاح كان في الجاهلية يسمّى الضّماد ، ولنوع آخر ورد ذكره في حديث عائشة : أن يشترك الرجال في المرأة وهم دون العشرة ، فإذا حملت ووضعت حملها أرسلت إليهم فلا يستطيع أحد منهم أن يمتنع ، فتقول لهم : قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت فهو ابنك يا فلان ، تسمّي من أحبّت باسمه فيلحق به . ونوع آخر يسمّى نكاح الاستبضاع ؛ وهو أن يقول الزوج لامرأته إذا طهرت من حيضها : أرسلي إلى فلان ، فاستبضعي منه ، ويعتزلها زوجها ولا يمسّها حتّى يتبيّن حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه ، فإذا تبيّن حملها أصابها زوجها . قالت عائشة : وإنما يفعل هذا رغبة في نجابة الولد ، وأحسب أنّ هذا كان يقع بتراض بين الرجلين ، والمقصد لا ينحصر في نجابة الولد ، فقد يكون لبذل مال أو صحبة . فدلّت الآية على تحريم كلّ عقد على نكاح ذات الزوج ، أي تحريم أن يكون للمرأة أكثر من زوج واحد . وأفادت الآية تعميم حرمتهنّ ولو كان أزواجهنّ مشركين ، ولذلك لزم الاستثناء بقوله : إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ أي إلّا اللائي سبيتموهنّ في الحرب ، لأنّ اليمين في كلام العرب كناية عن اليد حين تمسك السيف . وقد جعل اللّه السبي هادما للنكاح تقريرا لمعتاد الأمم في الحروب ، وتخويفا أن لا يناصبوا الإسلام لأنّهم لو رفع عنهم السبي لتكالبوا على قتال المسلمين ، إذ لا شيء يحذره العربي من الحرب أشدّ من سبي نسوته ، ثم من أسره ، كما قال النابغة : حذارا على أن لا تنال مقادتي * ولا نسوتي حتّى يمتن حرائرا واتّفق المسلمون على أنّ سبي المرأة دون زوجها يهدم النكاح ، ويحلّها لمن وقعت في قسمته عند قسمة المغانم . واختلفوا في التي تسبى مع زوجها : فالجمهور على أنّ سبيها يهدم نكاحها ، وهذا إغضاء من الحكمة التي شرع لأجلها إبقاء حكم الاسترقاق بالأسر . وأومأت إليها الصلة بقوله : مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وإلّا لقال : إلّا ما تركت